الانماط القيادية



عبدالله بن عبدالواحد الجبري*
يعد النمط القيادي نوعا من السلوك الذي يمارسه المدير مع مرؤوسيه في العمل ليؤثر فيهم تحقيقا للأهداف المطلوبة منهم بكل فاعلية . وقد نالت دراسة أنماط القيادة اهتمام الباحثين والدارسين في حقل الإدارة حيث أثبتت دراسة هذه الأنماط أن كثيراً من المديرين حققوا نجاحاً رغم اختلاف سبلهم في العمل فمنهم من يلجأ إلى دفع عجلة العمل بشدة وسرعة ومنهم من يديرها في رفق ومنهم من يفضل طريقة الأمر بالعمل بينما يؤْثِر غيرهم الوقوف على رغبات ومقترحات المرؤوسين .وبناء عليه صنف علماء الإدارة القيادة من حيث أسلوب ممارستها إلى ثلاثة أنماط رئيسية تشمل النمط الأوتوقراطي ، النمط الديموقراطي والنمط الفوضوي نوضحها بشكل موجز فيما يلي:- النمط الأوتوقراطي ( Autocratic ). . وتسمى فيه القيادة بالاستبدادية أو التسلّطية أو الديكتاتورية نظراً لأن القائد يتخذ من سلطته الرسمية أداة تحكّم وضغط على المرؤوسين لإجبارهم على إنجاز العمل . وفي ظل هذا النمط من القيادة يحاول القائد إخضاع الأمور التي يريدها في التنظيم لسلطته وأن يتم عمل الجماعة بمعرفته أو بتوجيهه المباشر بحيث تنتهي عنده كافة العمليات الإدارية ويحتفظ لنفسه بالقيام بكل صغيرة وكبيرة بمفرده فلا يشرك غيره من العاملين في مباشرة مهامه أو صنع قراراته ولا يقبل من أحدهم مراجعته أو مشاورته في أي أمر من الأمور ولا يُعير العلاقات الإنسانية مع مرؤوسيه أية اهتمام وغالباً يَنسب كل نجاح يُحقق في إدارته لنفسه وليس لمرؤوسيه، وكأن الفرد في نظر هذا النمط مجرد آلة يديرها القائد للاستفادة منها بأكثر ما يمكن من إنتاجية دون النظر إلى الاعتبارات الأخرى المتعلقة بآدمية الفرد . وكثيراً ما يعتمد القائد في هذا النمط على رصد أخطاء مرؤوسيه في الوقت نفسه الذي يُجزل فيه العطاء لبعض المقربين منه الذين يؤيدونه في كل ما يفعل ويمتدحون أعماله بصرف النظر عما يمكن أن تؤدي إليه من نتائج سيئة. ونرى أن مثل هذا القائد لا يمكن أن يضمن ولاء العاملين معه إلا من خلال السلطة وعليه أن ينتظر انقلاب الجميع عليه متى دبّ الضعف إلى سلطته. فالقيادة الأوتوقراطية بهذا الأسلوب لا شك أنها تؤدي إلى تنفير العاملين وعدم إخلاصهم وولائهم للعمل ،. . قال الله في محكم كتابه ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ) صدق الله العظيم. . .ومهما كان شكل القيادة الأوتوقراطية فإن أسلوبها يحمل من الإيجابيات ويحمل من السلبيات ما يجعلها عرضة بين الرضا والنقد ففي أوقات سابقة كان هو الأسلوب الشائع نظراً لقلة إدراك العاملين وعدم تأهيلهم التأهيل العلمي والوظيفي الكافيين لكنه بعدما ظهرت النظريات الإدارية الحديثة ونادت بالاهتمام بالعاملين ومراعاة ظروفهم الاجتماعية والإنسانية أصبح هذا النمط حديث كثير من النقاد لكنه برغم ذلك ما زال مطبقاً ويؤخذ به في كثير من القيادات في العصر الحاضر خاصة القيادات الأمنية و العسكرية وتحديداً عند مباشرتها لبعض المهام التي تتطلب درجة عالية من الضبط والربط وتنفيذ الأوامر كما هي دون نقاش أو جدال ورغم سلبيات هذا النمط القيادي فإن هناك من المواقف ما يدعو إلى الأخذ به في بعض الأحيان . - النمط الديموقراطي ( Democratic ). . ويسمى القيادة بالمشاركة أو الاستشارية وهي القيادة التي حث عليها الدين الإسلامي حيث قال الله تعالى( وأَمْرُهُمْ شُوْرَى بَيْنَهُمْ ) . وفي هذا النمط يشرك القائد المرؤوسين في اتخاذ القرارات وما يتصل منها برسم السياسات المتعلقة بالمنظمة فهو يسعى جاهداً إلى أن يشعر كل فرد في الجماعة بأهمية مساهمته الإيجابية في شؤون المنظمة وتحديد أهدافها كما يسعى لتوزيع المسؤولية بين أفراد الجماعة ولا يقوم بتركيزها في جهة واحدة ، ويعتمد في أسلوبه على الإقناع والتأثير الشخصي ويهتم بآراء وأفكار مرؤوسيه ويلعب دوراً فعالاً في تنمية الابتكار وتحقيق التعاون وإطلاق قدرات مرؤوسيه وطاقاتهم الكامنة وبذلك نجد العاملين مع هذا النمط القيادي يتمتعون بقدر كاف من الحرية في الآداء يسودهم جو من التعاون والمحبة بينهم وبين قيادتهم التي تهتم بالتركيز على العلاقات الإنسانية معهم بما يحقق أهدافهم وأهداف العمل بصورة مترابطة. وليس معنى النمط الديموقراطي تنازل القائد عن صلاحياته ومسؤولياته وتسليمها لمرؤوسيه ليعملوا ما يشاءون وما يعتقدون انه صواب فهو مع أنه ديموقراطي ومرن إلا أنه ممسك بزمام الأمور فهو مرجع العاملين والموجه لهم والذي ينسق جهودهم ويوزع الأعمال عليهم ويطالبهم بالتنفيذ ويراقب سير الأعمال وكيف تُؤدى بواسطتهم ويلجأ للسلطة متى كان ذلك ضرورياً ولكن في جو مريح بدون تسلط ولاجحود لقيمة ومشاركة مرؤوسيه وأهميتهم للعمل .- النمط الفوضوي ( Laissez ) . . و يسمى القيادة الحرّة أو قيادة عدم التدخل أو القيادة المتسيّبة. ومن مسمى هذا النمط نجد أن القائد يتميز ولا يمتاز بترك الحرية الكاملة لمرؤوسيه في ممارسـة نشاطاتهم باستقلال تام ، كما يترك لهم حرية اتخاذ القرارات وتحديد الأهداف وأساليب التنفيذ مع أدنى حد من مشاركة القائد أو تدخله وهذا أسلوب يؤدي لنتائج سلبية تنعكس على المنظمة وعلى المرؤوسين بل وعلى القائد ذاته. وقد يكون مرد ذلك لطبيعة شخصية ذلك القائد أو عدم فهمه للأساليب الإدارية ونظرياتها الحديثة ومن ثم عدم قدرته في تطبيقها على الواقع. ومن عيوب هذه القيادة ازدواجية الجهود وكثرة الفاقد من الوقت والجهد والمال ويغلب على هذه القيادة التوسع في تفويض السلطات والصلاحيات والتهرب من المسؤوليات والفشل في إدارة الأزمات والتردد في إتخاذ القرارات .وعلى الرغم من أن هذه القيادة قد تكون مرغوبة أحياناً إلا أن هذا النوع من القادة نادر الحدوث في مجال الإدارة التطبيقية وتتميز جماعة هذا النمط بالتفكك وعدم الترابط وعدم وضوح الأهداف لها ويشيع بينهم روح الاستهتار والإهمال لأن المسؤوليات غير محددة ، ولا يعرف كل فرد المهام والواجبات المطلوبة منه وحتى إن ادركها فهو يعلم أن سلطة الحساب والتقييم غائبة، وهذا من دون شك يؤدي إلى ضعف في مستوى الآداء والإنتاجية.وخلاصة القول إن النمط الديموقراطي بصفة عامة - وليست مطلقة - أسلم أنماط القيادة الثلاث وأصلحها للتطبيق فالقائد بشر وله طاقات وإمكانات محدودة وهو لن يستطيع القيام بكل الأعمال والإشراف عليها بذاته مهما حاول لذلك فالاهتمام بالعاملين وتوزيع المسؤوليات عليهم مع حسن توجيههم وتنظيم العمل وتخطيطه هو الطريق للنجاح . والعاملون هم الذين يدفعون القائد للنجاح أو يسببون له الفشل وهذا يتطلب من القائد مرونة إلى حدود معينة وقدرة وكفاءة تمكنه من الاستفادة من كل طاقات العاملين معه وتوجيهها لصالح العمل. إلا أن النمط القيادي الرشيد الخالي من أي نقص أو عيب والذي يكفل لمن تمسك به النجاح المستمر هو النمط الإسلامي المستمد من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام وسيرة الخلفاء الراشدين من بعده فخالق البشر هو الأدرى بما يصلح لعباده إلى أن تقوم الساعة لذلك فالشريعة الإسلامية هي المنهج الشامل لكل شؤون الحياة حاضرها ومستقبلها ، ومن اعتمد في قيادته أو أسلوب حياته على المنهج الإسلامي الصحيح فقد رشد ومن حاد عنه فقد ضل وغوى . ولقد أجمل الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو ذو البصيرة النافذه والحس الإداري الرفيع نمط القيادة في قوله : ( إن هذا الأمر لا يصلح فيه إلا الليّن في غير ضعف والقوي في غير عنف ). ولعل دعاة الديموقراطية في العصر الحديث أيقنوا بأن القواعد والمبادئ التي يدعّون الأخذ بها هي مستمدة في الأصل من الشريعة الإسلامية وتعاليمها التي أقرت الديموقراطية الحقيقية منذ أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمن .
عبدالله بن عبدالواحد الجبري*
* عضو الجمعية السعودية للإدارة